واعبد ربك حتى يأتيك اليقين

0
91

واعبد ربك حتى يأتيك اليقين

كتب / احمد ابو اسلام
عناصر الخطبة
1)المقدمة
2)واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
5)حقيقة العبادة
6)نماذج من العباد الطائعين
7)أليس الله أهلاً للعبادة
المقدمة
———
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ، الرحمنِ الرَّحيمِ، الْحَمْدُ للهِ الذِي شَرَعَ لنَا دِينَاً قَوِيمَاً وَهَدَانَا بِفَضْلِهِ صِرَاطَاً مُسْتَقِيمَاً، وَرَبَّانَا بِأَحْسَنِ الأَخْلاقِ وَأَمَرَنَا بِأَقْوَمِ الأَعْمَالِ؛ فَلِلَّه الْحَمْدُ أَوَّلاً وَآخِرَاً وَظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً، وأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَمَن اهْتَدَى بِهَدْيِهِ إلى يَوْمِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ:
واعبد ربك حتى يأتيك اليقين
—————————
قال الله عز وجل :” وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ” [الحجر: 99]
في هذه الآيةِ الكريمةِ دعوةٌ صريحةٌ منَ الله تعالى لعبده المؤمن، إلى ضرورة المداوَمة على العبادة، حتى يَلقَى ربَّه، فاليقينُ في الآية هو الموت.
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم اليقين بالموت كما في صحيح البخاري في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه، وعثمان بن مظعون ممن شهد بدرا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وهو أول من لقب بالسلف الصالح، وكان من الزهاد العباد، وثبت في رواية في سندها ضعف: (أن عثمان بن مظعون لما مات ذهب إليه المصطفى فقبله بين عينيه، وبكى حتى سالت دموع رسول الله صلى الله عليه وسلم على خدي عثمان بن مظعون رضي الله عنه)، هذا الصحابي الجليل المبارك (لما مات قالت امرأة من الأنصار يقال لها أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب -تقصد عثمان بن مظعون – شهادتي عليك أن الله أكرمك، فقال لها المصطفى صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت أم العلاء: سبحان الله! فمن يا رسول الله؟! -أي: فمن هذا الذي سيكرمه الله إن لم يكرم الله عثمان بن مظعون؟! – فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين -يعني: الموت- وإني لأرجو له الخير، ثم قال المصطفى: والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم!).
يا من غرتك عبادتك! ويا من غرتك طاعتك! ويا من ملأ قلبك العجب والكبر! ويا من غرك علمك! هاهو رسول الله أعرف الناس بالله، وأخشى الناس لله، وأتقى الناس لله، الذي غفر له مولاه ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (والله ما أدري -وأنا رسول الله- ما يفعل بي ولا بكم)، اللهم ارزقنا حسن الخاتمة يا أرحم الراحمين.
إنَّ المؤمن اليَقِظ يحرص على العبادة حتى تُؤتي ثمارها، وتظهر عليه آثارُها، فليس منَ الفطنة في شيء أن يَعمدَ المسلم إلى القرآن، فيُداوم على قراءته طوال شهر رمضان المبارك، فتراه يقرأ في اليوم عدَّة أجزاء، فإذا خرج رمضان لم تبقَ له بالقرآن الكريم صِلة تُذْكَر، ولا موعد منتَظم.
إنَّ المداوَمة على العمل الصالح تُمِدُّ المؤمنَ بالهمَّة على مجاهدة نفسه، وتُبعد عنه الغفلة؛ ولهذا حَثَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم على المداوَمة على الأعمال، وإنْ كانت يسيرة قليلة؛ ففي الحديث الذي يرويه مسلم، عن عائشة رضي الله عنها يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أَحبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى أَدْوَمُها، وإنْ قَلَّ)).
يقول الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: إنَّ القليل الدائم خيرٌ منَ الكثير المنقطع، وإنما كان القليل الدائمُ خيرًا منَ الكثير المنقطع؛ لأنه بدوام القليل تدُوم الطاعة، والذِّكْر، والمراقَبة، والنِّيَّة، والإخلاص، والإقبال على الله سبحانه، ويستمرُّ القليل الدائم؛ بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.
ولهذا قال بعضُ الحكماء: إذا غفلَت النفسُ بترْك العبادة، فلا تأمن أن تعودَ إلى عاداتها السَّيِّئة، وصدَق ابنُ حزم حين قال: إهمال ساعة، يُفسد رياضة سَنَة.
نخلُص مِن هذا إلى أنَّ المسلم الحريص لا ينبغي له أن يَغفلَ عن هذا المعنى الجليل، وهو ضرورة المداوَمة على العبادة، فَمِنَ الخُسران المبين أن يَقطعَ عبادة داوَمَ عليها فترةً مِنَ الزَّمَن.
حقيقة العبادة
————-
العبادة معناها في اللغة: الذل، يقال: طريق معبد، أي: طريق مذلل قد وطأته الأقدام، ولكن العبادة التي أمرنا بها تتضمن إلى معنى الذل معنى الحب، فمن خضع لله تبارك وتعالى بغير حب فليس عابدا لله، ومن ادعى أنه يحب الله دون استسلام لأمره ونهيه فليس عابدا لله، بل العبادة هي: كمال الحب لله مع كمال الذل لله جل وعلا، وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، ودروس العلم، والدعوة إلى الله، والتوكل على الله، والصبر لحكم الله، والشكر لله، والخوف من الله، والرجاء، والتفويض، والتوكل، والاستغاثة، والاستعانة، والإنابة، والابتسامة، والعمل الصادق، كل هذا من العبادة.
فالعبادة تسع الحياة كلها إن صحت النية، وكان العمل موافقا لهدي سيد البشرية، ومن أعظم الأدلة النبوية على هذه الرحمة الندية ما رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه: (أن أناسا جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الثور بالأجور -أهل الدثور هم أصحاب الأموال-، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم -أي: بما زاد من أموالهم-، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أوليس الله قد جعل لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة -أي: في جماع الرجل امرأته صدقة-، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته فيكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام، أيكون عليه وزر؟ قالوا: بلى، قال: فإن وضعها في الحلال فله فيها أجر).
فالعبادة ليست أمرا على هامش الحياة، بل تسع العبادة الحياة كلها إن صحت النية، وكان العمل موافقا لهدي سيد البشرية صلى الله عليه وسلم، فلا تفهم العبادة فهما جزئيا قاصرا، ولا ينبغي أن نصرف العبادة لله تعالى في شهر دون شهر، وفي زمان دون زمان، بل مقتضى العبودية لله تعالى أن يقول الرب جل جلاله: أمرت ونهيت، وأن يقول العبد المؤمن: سمعت وأطعت، هذا مقتضى العبودية، وهذا شعار المؤمن في أي أرض وتحت أي سماء وفي أي زمان: {سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير} [البقرة:285]، قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب:36]، وقال تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} [النور:51 – 52].
فمقتضى الإيمان: أن يسلم المؤمن قلبه وعقله وحياته للمصطفى؛ ليقوده إلى سعادة الدارين بوحي الله المعصوم: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى} [النجم:3 – 5].
وأما عن ثمرة ذلك أي ثمرة الطاعة نقول: إن ثمرته في الدنيا والآخرة: أما ثمرة الطاعة والاقتداء فأنت تجد حلاوتها في قلبك.
هذا في الدنيا.
وأما الآخرة: فانظر إلى ما رواه البخاري ومسلم أن رجلاً اعترض النبي صلى عليه وسلم في طريقه فقال: (يا رسول الله! متى الساعة).
وهذا مما استأثر الله عز وجل بعلمه، ولم يطلع عليه أحداً لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولكن لها أمارات وأشراط وعلامات.
فقال النبي صلى عليه وسلم: (وما أعددت لها؟ فقال: والله ما أعددت لها كثير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة ولكني أعددت لها حب الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت).
ومن ثمرة الطاعة في الآخرة: أن يدخلك الله عز وجل بمنه وكرمه وفضله الجنة، فتكون مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقاً.
وأتى آخر وقال: (يا رسول الله! ما يصنع المرء إذا أحب القوم ولما يلحق بهم؟ -لم يعمل بعملهم، ولكن حسبه أنه يحبهم- فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه راوي الحديث: فما فرح المسلمون بعد إسلامهم فرحهم بهذا الحديث.
ثم قال أنس: وأنا أشهدكم أني أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر).
كما أني أشهدكم أني أحبكم في الله بعد حبي لله ورسوله، وبعد حبي للخلفاء الراشدين والصحابة والصالحين.
وقدورد عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَوَلَدِي وَأَهْلِي وَمَالِي، وَلَوْلَا أَنِّي آتِيكَ فَأَرَاكَ لَظَنَنْتُ أَنِّي سَأَمُوتُ، وَبَكَى الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَبْكَاكَ» ؟، فَقَالَ: ذَكَرَتُ أَنَّكَ سَتَمُوتُ وَنَمُوتُ فَتُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَنَحْنُ إِذَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ كُنَّا دُونَكَ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ: ” {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ} [النساء: 69] إِلَى قَوْلِهِ {عَلِيمًا} [النساء: 11] “، فَقَالَ: «أَبْشِرْ»(التفسير من سنن سعيد بن منصور )
نماذج من العباد الطائعين
———————–
التفكر شيء في غاية الأهمية؛ لتثبيت الإخلاص في نفس المؤمن؛ لذلك سئلت أم الدرداء رضي الله عنها وأرضاها، قالوا لها:
ما كان أكثر شأن من أبي الدرداء؟
أكثر عمل كان يعمله، قالت:
كان أكثر شأنه التفكر.
قيل لأبي الدرداء:
أفترى التفكر عملا من الأعمال؟
قال: نعم هو اليقين في الله عز وجل.
إذا تفكرت في خلق الله عز وجل لا شك أنك ستخلص له، لذلك كان الحسن البصري رحمه الله يقول:
تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
الأعرابي الذي عرف وجود ربنا سبحانه وتعالى بمعلومات بسيطة جدا، قال: البَعْرة تدل على البعير.
بمعني لو رأيت روث بعير فمن المؤكد أن بعيرا مر من هنا.
البعْرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير.
أثر الأقدام يدل على سير أحد في هذا المكان.
أفسماء ذات أفلاك، وأرض ذات فجاج، ألا تدلاني على العليم الخبير.
سبحانه وتعالى، الأعرابي بمعلومات بسيطة جدا عرف ربنا سبحانه وتعالى، فما بالك بمن عرف كل هذه المعلومات لكنه لم يتعبد لله بحق .
من عرف الإخلاص صغرت الدنيا في عينيه
عندما فقه الصحابة قدر الله عز وجل عن طريق القراءة في كتاب الله عز وجل استصغروا كل ما دون الله عز وجل، عملوا لله عز وجل، ولم يعملوا لغيره، خافوا منه، ولم يخافوا من غيره، اعتصموا به، ولم يعتصموا بغيره، والكلام يفسر لنا مواقف كثيرة جدا في حياة الصحابة نتعجب لها كثيرا
لنرى موقف عبد الله بن حذافة
—————————–
ولنرى موقف عبد الله بن حذافة رضي الله عنه وأرضاه أمام هرقل، عبد الله بن حذافة وقع أسيرا في يد هرقل ملك الروم في سنة 19 من الهجرة، وهرقل سمع كثيرًا عن ثبات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع عن عزوفهم عن الدنيا، وسمع عن استهانتهم بكل قوى الأرض سواء الفرس، أو الرومان، أو غيرهم، فهرقل يريد أن يختبر هذا الأمر بنفسه، يريد معرفة طبيعة هؤلاء الناس الذين هزموا كل جيوش الأرض بهذه الصورة الغريبة جدا، فهرقل أُحضر عنده عبد الله بن حذافة، وبدأ يسأله، قال:
إني أعرض عليك أمرا.
فقال عبد الله: ما هو؟
فقال هرقل:
أعرض عليك أن تتنصر.
ولكن ما هو ثمن أن أترك هذا الدين؟
قال هرقل:
فإن فعلت خليت سبيلك، وأكرمت مسواك.
فقال عبد الله في ثبات وإخلاص لربنا سبحانه وتعالى قال عبد الله:
هيهات إن الموت لأحب إلي ألف مرة مما تدعونني إليه.
فلم ييأس هرقل، وقال له:
إني لأراك رجلا شهما، فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك- يعني النصرانية- أشركتك في أمري، وقاسمتك سلطاني.
سأعطيك نصف الإمبراطورية الرومانية، تخيلوا حجم العرض، عرض رهيب جدا، إننا نتكلم في دولة ملكت نصف الأرض، يعني عبد الله بن حذافة في لحظة سيكون عنده ربع الأرض، وكم من أناس تبيع دينها في أشياء تافهة حقيرة لا تساوي واحد على ألف مليون مما عرض على عبد الله بن حذافة رضي الله عنه وأرضاه!
ويرد عليه عبد الله، وهو يبتسم ابتسامة سخرية سخرية كبيرة جدًا من هرقل ملك الروم:
والله لو أعطتيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت ولو للحظة واحدة، ثم بعد ذلك أرجع للإسلام مرة أخرى.
لن أترك هذا الدين بكل ملك الأرض، فهرقل استخدم معه السلاح الأخير الذي عنده، قال:
إذن أقتلك.
آخر سلاح في يد هرقل، فقال عبد الله في منتهى البساطة:
أنت وما تريد.
افعل ما تريد، فأمر به هرقل، فصلب، ثم أمر القناصة الرومان، فقال:
ارموه قريب من يديه ورجليه.
نوع من التخويف ، لا نريد موته، هرقل يريد أن يكسر إرادته، ويكسر إخلاصه لله عز وجل، وهو لا يستطيع كل ذلك، وهو يعرض عليه النصرانية، الجنود يرمونه عن يمينه، وعن شماله، قريب من يديه، وقريب من قدميه، وفي كل مرة يعرضوا عليه النصرانية، وهو يرفض، ويقول لهم: أنتم وما تريدون، لن أرجع عن دين الإسلام.
فانتقل هرقل إلى خطوةأخرى من التخويف أعظم من ذلك، طلب قِدْرًا كبيرة، ثم فرغ فيها الزيت، ورفعت على النار، حتى أخذ الزيت يغلي، ثم أحضر اثنين من أسارى المسلمين أمام عبد الله بن حذافة، ورمى واحدا منهما في الزيت المغلي، وعبد الله بن حذافة رضي الله عنه وأرضاه يقف، ويرى كل هذه الأحداث، يقول:
فإذا بعظامه عارية- عظام هذا الأسير الذي ألقي في الزيت المغلي- فإذا بعظامة عارية، وقد تفتت لحمه.
ثم عرض هرقل على عبد الله بن حذافة النصرانية من جديد، فكان عبد الله رضي الله عنه أشد لها رفضا، لما يأس هرقل من عبد الله بن حذافه أمر رجاله أن يلقوه في القدر المملوء بالزيت المغلي، فلما ذهبوا بعبد الله بن حذافة دمعت عيناه، ففرح رجال هرقل، وقالوا إنه قد بكى، بدأ يتأثر، فظن هرقل أنه قد جزع من الموت، فقال هرقل: ردوه إليَّ.
فلما جاءه عرض عليه النصرانية من جديد، فأبى عبد الله بن حذافة من جديد فقال هرقل: ويحك فما الذي أبكاك إذن.
فقال عبد الله: أبكاني أني قلت في نفسي الآن ترمى في هذه القدر، فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس، فتلقى كلها في هذا القدر، في سبيل الله.
يا خسارة سأموت مرة واحدة، كنت أتمنى أن أعيش مرة ثانية لأموت في سبيل الله عز وجل، هذا هو الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والعبودية الحقة لله هو لا يرى هرقل بالمرة، هو يرى عمله لربنا سبحانه وتعالى، أحبط هرقل تماما، فعرض على عبد الله حذافة عرضًا جديدا، عرضا يبين مدى الإحباط الذي وصل إليه هرقل ملك الروم قال: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟
فقال عبد الله بن حذافة ويشترط في هذا الموقف، ويقول: وعن جميع أساري المسلمين أيضا؟
سأقبل رأسك، وتطلق سراحي، وسراح كل أسارى المسلمين، فقال هرقل: وعن جميع أسارى المسلمين أيضا.
فقال عبد الله: فقلت في نفسي عدو من أعداء الله، أقبل رأسه فيخلي عني، وعن أساري المسلمين جميعا، لا ضير في ذلك عليّ، فقمت، فقبلت رأسه، فأطلق هرقل عبد الله بن حذافة، وأطلق معه جميع أسارى المسلمين.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما سمع بهذه القصة سُرَّ أعظم السرور، وقال:
حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ بذلك.
وقام بنفسه أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه يقبل رأس عبد الله بن حذافة.
في هذا الموقف إن عبد الله بن حذافة فقه قدر الله عز وجل، وجلال الله عز وجل، فلم ير هرقل إلى جوار الله عز وجل، لم يهتم بجيوش هرقل، ولا قناصة هرقل، ولا وزراء هرقل، ولا أمراء هرقل، ولا سهام هرقل، ولا الزيت المغلي عند هرقل، كل هذه الأشياء لم يرها.
بيت القصيد أن تعرف لله قدره، فإن عرفت ذلك لم تشرك بالله شيئا، وهكذا ياأحبابي فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفوا قدر الله عز وجل، فأخلصوا، ولم يطلبوا إلا منه، ولم يرجوا إلا إياه، ولم يعتمدوا إلا عليه، ولم يلجأوا إلا إليه، هكذا وَحَدّوا الله عز وجل التوحيد الكامل، وأخلصوا له الإخلاص الصادق، ولذلك وصلوا.
الإخلاص طريق هام جدا من طرق الوصول إلى الله عز وجل، نسأل الله عز وجل أن يبصرنا بمعالم الطريق المستقيم، وأن يطهر نوايانا من أي شائبة، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يعظم قدره في قلوبنا، حتى لا نرى أحدا سواه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
كل مصيبة بعدك جلل
——————-
روى ابن جرير الطبري في التاريخ عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار ، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد ، فلما نُعوا لها قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا يا أم فلان . هو بحمد الله كما تحبين قالت : أرنيه حتى أنظر إليه ، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل . تريد صغيرة .
لا أرضى أن يشاك بشوكة
————————-
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤا إلى فدفد وأحاط بهم القوم فقالوا لهم : انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا قال عاصم بن ثابت أمير السرية أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن في هؤلاء لأسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعه بدر فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا فأخبرني عبيد الله بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته فأخذ ابنا لي وأنا غافلة حين أتاه قالت فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي فقال تخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر وكانت تقول إنه لرزق من الله رزقه خبيبا فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب ذروني أركع ركعتين فتركوه فركع ركعتين ثم قال لو لا أن تظنوا أن ما بي جزع لطولتها اللهم أحصهم عددا
ولست أبالي حين أقتل مسلما *** على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتله بن الحارث فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا فاستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه خبرهم وما أصيبوا وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرف وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر فبعث على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسولهم فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا ” . أخرجه البخاري و النسائي و أبو داود

و في بعض الروايات : فقال له أبو سفيان( أيسرك أن محمدا عندنا نضرب عنقه وإنك في أهلك ؟ فقال لا والله ما يسرني إني في أهلي وأن محمدا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه )
لا يخلص إلى رسول صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف
——————————————-
عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله (( صلى الله عليه وسلم)) يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له يقول لك رسول الله (( صلى الله عليه وسلم)) كيف تجدك ؟ قال فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق وبه سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم فقلت يا سعد إن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) يقرأ عليك السلام ويقول لك أخبرني كيف يجدك ؟ فقال وعلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) السلام قل له يا رسول الله أجد ريح الجنة . وقل لقومي الأنصار لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول ( صلى الله عليه وسلم) وفيكم عين تطرف ، وفاضت روحه من وقته ) رواه البخاري، 844، ومسلم 3408.
استقم أيها الموحد على العبادة والطاعة
————————————–
فقد ورد في صحيح مسلم من حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله قال: (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك؟ فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: قل: آمنت بالله ثم استقم).
استقم أيها الموحد لله استقم على العبادة استقم على الطاعة، لا ينبغي أن يروغ المؤمن روغان الثعالب، إن المؤمن مستقيم ثابت على طاعة الله، حتى ولو زلت قدمه بالمعصية، فإنه سرعان ما يجدد الأوبة والتوبة إلى الله جل وعلا: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، وفي رواية الترمذي وأحمد: (قال: حدثني بأمر أعتصم به؟ قال: قل: ربي الله ثم استقم، قال: فما أخوف ما تخاف علي يا رسول الله؟ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه، وقال: أخوف ما أخاف عليك هذا، وأشار المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى لسانه).
فاستقم على طاعة الله، واعلم بأن الاستقامة على عبادة الله جل وعلا فضلها عظيم في الدنيا قبل الآخرة: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم} [فصلت:30 – 32].
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على منهج الله على العبادة على الطاعة، (تتنزل عليهم الملائكة) متى؟ قال مجاهد وزيد بن أسلم: تتنزل عليهم الملائكة وهم على فراش الموت، في لحظات السكرات والكربات، في لحظات شديدة قاسية، تألم منها نبينا المصطفى نفسه، حتى قالت الصديقة بنت الصديق: والله لا أكره شدة الموت لأحد بعدما رأيت رسول الله.
في هذه اللحظات تتنزل الملائكة على أهل الاستقامة، على أهل العبادة والطاعة بهذه البشارة الكريمة: (ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) من أنتم يا أصحاب هذه البشارة؟ سيأتي
الجواب
( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها) أي: في الجنة، (ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) أي: ما تريدون وما تطلبون، (نزلا من غفور رحيم) أي: ضيافة وإنعاما وإكراما من الله جل جلاله.
قال ابن عباس وقتادة وابن أبي حاتم: تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والاستقامة عند الخروج من القبور يوم البعث والنشور، في يوم الفضيحة الكبرى، نسأل الله أن يسترنا في الدنيا والآخرة، يوم يقوم الناس جميعا إلى القبور حفاة عراة غرلا، فإذا خرج أهل الاستقامة على طاعة الله وعبادة الله من القبور تلقتهم ملائكة العزيز الغفور بهذه البشارة الكريمة: (ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) * (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) * (نزلا من غفور رحيم).
ولا تعارض في الجمع بين القولين: فالملائكة تتنزل بالبشارة على أهل الاستقامة، على أهل الطاعة إذا ناموا على فراش الموت، وإذا خرجوا من القبور مرة أخرى، {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم:27].

لا تفارق العبادة حتى تلقى الله جل وعلا، ولو علم الواحد منا أن الموت لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل لظل في طاعة الله وفي عبادة الله حتى يأتيه هذا الغائب الذي لا علم لأحد بقدومه: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان:34].

هل من المسلمين أحد أو من المسلمات إلا والكل يعلم أنه سيموت؟ الموت حق لا مراء فيه ولا شك، ولكن من من المسلمين استعد لهذا اليقين بالطاعة والعبادة؟ لو جاء ملك الموت لأحدنا الآن فهل هو على استعداد بعمله الذي هو عليه للقاء الله؟ المؤمن لا بد وأن يكون ممتثلاً للأمر، مجتنباً للنهي، منتظر للقاء الرب جل جلاله في أي لحظة من اللحظات! فاعبد الله حتى يأتيك اليقين، حتى يأتيك الموت، وإذا كنت لا تدري متى سيأتيك الموت فاجعل كل أنفاسك طاعة لله، واجعل كل حياتك وحركاتك وسكناتك عبادة لله، وامتثالا لأمره جل في علاه: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام:162 – 163].
ولله در القائل: أيا عبد كم يراك الله عاصيا
حريصا على الدنيا وللموت ناسيا
أنسيت لقاء الله واللحد والثرى
ويوما عبوسا تشيب فيه النواصيا
لو أن المرء لم يلبس ثيابا من التقى
تجرد عريانا ولو كان كاسيا
ولو أن الدنيا تدوم لأهلها
لكان رسول الله حيا وباقيا
ولكنها تفنى ويفنى نعيمها
وتبقى الذنوب والمعاصي كما هي

{وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد * ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد * وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد * لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} [ق:19 – 22].
(وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أنك تموت والله حي لا يموت، (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، (وجاءت سكرة الموت بالحق) والحق: أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، (ذلك ما كنت منه تحيد) أي: تجري وتهرب وتفر.
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض، وتحيد إلى الطعام إذا أحسست بالجوع، وتحيد إلى الشراب إذا أحسست بالظمأ، ولكن ثم ماذا أيها القوي الفتي! أيها الذكي العبقري! ويا أيها الصغير! ويا أيها الفقير؟! كل باك فسيبكى وكل ناع فسينعى وكل مدخور سيفنى وكل مذكور سينسى
(واعبد ربك حتى يأتيك اليقين).
أليس الله أهلا للعبادة؟
———————

أليس الله أهلا لأن يعبد؟ أيها البعيد عن طاعة الله! هل أحسن إليك بشر من الخلق وأنكرت إحسانه؟ بل تظل تعترف له طوال حياتك بالإحسان، فمن الذي أحسن إليك وأنت في العدم؟! ومن الذي أحسن إليك الآن؟! ومن الذي سيحسن إليك في الآخرة؟! من صاحب الإحسان؟! من صاحب النعم؟! من صاحب الفضل؟! من صاحب الكرم؟! من صاحب الجود؟! من الذي خلقنا من العدم وصورنا في أحسن صورة؟! من الذي أنزل علينا القرآن؟! من الذي بعث لنا سيدنا محمدا عليه الصلاة والسلام؟! من الذي خلقنا موحدين وجعلنا من أمة سيد المرسلين؟! من الذي خلق لنا الكون وأمده بهذه النعم التي لا تعد ولا تحصى؟! من الذي خلقك في أحسن صورة؟! نظرك في نفسك يكفيك دليلا على أن الذي يستحق أن يعبد على الدوام هو الله، ونظرك في الكون من حولك يكفيك دليلا على أن الذي يستحق العبادة على الدوام هو الله، فالله أهل لأن يعبد، الله أهل لأن يوحد لذاته جل جلاله (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، فوالله ما قدرنا الله حق قدره، والله ما قدرنا الله حق قدره، والله ما قدرنا الله حق قدره.

جاء حبر من أحبار اليهود للمصطفى -والحديث في صحيح مسلم – فقال: (يا محمد! إنا نجد مكتوبا عندنا في التوراة: أن الله تعالى يجعل السماوات على إصبع، والأراضين على إصبع، والماء والثرى على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، ثم يهزهن ويقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله جل وعلا: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر:67]).
لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك
ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بآيات إذا حاولت تفسيرا لها أعياك
قل للطبيب تخطفته يد الردى يا شافي الأمراض من أرداك قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاك

قل للصحيح يموت لا من علة من بالمنايا يا صحيح دهاك قل للبصير وكان يحذر حفرة فهوى بها من ذا الذي أهواك بل سائل الأعمى خطا وسط الزحام بلا اصطدام من يقود خطاك

قل للجنين يعيش معزولا بلا راع ومرعى ما الذي يرعاك قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء لدى الولادة ما الذي أبكاك
لله في الآفاق آيات لعل أقلها هو ما إليه هداك
ولعل ما في النفس من آياته عجب عجاب لو ترى عيناك الكون مشحون بآيات إذا حاولت تفسيرا لها أعياك
من الذي يستحق أن يعبد؟! الله، الله هو الاسم الذي تستجاب به الدعوات، الله هو الاسم الذي تستنزل به الرحمات، الله هو الاسم الذي تقال به العثرات، الله هو الاسم الذي من أجله قامت الأرض والسماوات، الله هو الاسم الذي من أجله.
أنزل الكتب وأرسل الرسل.
الله اسم ما ذكر في قليل إلا كثره، الله اسم ما ذكر عند خوف إلا أمنه، الله اسم ما ذكر عند كرب إلا كشفه، وما ذكر عند بطش إلا أزاله.

الله هو الذي يستحق أن يعبد وحده، وأن يمتثل لشرعه وحده، وأن يسمع له وحده، وأن يطاع وحده، وأن يراقب وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يحلف به وحده، وأن يستغاث به وحده، وأن يلجأ إليه وحده، وأن يفوض إليه وحده، وأن يسأل وحده، أءله مع الله؟! أءله مع الله؟! أءله مع الله؟! {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء:44]، فالذي يستحق أن يعبد وحده هو الله جل جلاله، لا في رمضان فقط، بل على الدوام حتى نلقاه.
أسأل الله أن يختم لنا ولكم برضاه، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

Advertisement

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا