الدكتور احمد عبد الجواد يكتب عن .. الرد المبين في التطاول على علماء الدين

0
172

الدكتور احمد عبد الجواد يكتب عن .. الرد المبين في التطاول على علماء الدين

 

من الجدير بالذكر أنَّ منزلة العلم تأتي قبل القول والعمل؛ وذلك لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ}(سورة محمد: الآية رقم 19)، وفي الحديث الصحيح: (إنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ, وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في السَّمَوَاتِ , ومَنْ في الْأَرْضِ, وَكُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ , وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا, وَأَوْرَثُوا الْعِلْمَ, فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)(أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، باب العلم قبل القول والعمل، جـــــــ1ص24؛ وأخرجه الإمام الترمذي في سننه، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث رقم: 2682، جــــــــ5ص48)، وإنَّما سمى العلماء ورثة الأنبياء، لقوله تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}(سورة فاطر: الآية رقم 32)، كما أنَّ العلماء أفضل الخلق بعد الرُّسُل عليهم السلام؛ حيث إنَّهم الشعاع الذي ينير للناس في ظلمات الجهل، ويأخذون بأيديهم إلى الهدى، وسبل الرشاد، وهم أكثر الناس خشية لله سبحانه وتعالى، وخوفًا منه؛ لقوله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}(سورة فاطر: الآية رقم: 30).

ومن المعلوم أنَّ الله تعالى قد رفع المؤمنين على مَن سواهم، ثمَّ رفع أهل العلم على سائر المؤمنين، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(سورة المجادلة: الآية رقم 11)، والحاملون للعلم لا يستوون مع غيرهم؛ كما قال تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(سورة الزمر: الآية رقم 9)، وقد رفع الله من شأنهم، وأعلى من قدرهم، ويظهر هذا جليًّا واضحًا في قوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(سورة آل عمران: الآية رقم 18).

لكن هناك من النَّاس من وجَّه جُلّ عنايته إلى الطعن في علماء المسلمين، والحط من أقدارهم، وتناسى أنَّ الجناية على العلماء خرقٌ في الدين، فمن ثَمَّ قال الإمام الطحاوي في عقيدته: «وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومن ذَكرهم بسوء، فهو على غير السبيل»، وقال ابن المبارك: «من استخفَّ بالعلماء ذهبت آخرته»، وقال الإمام أحمد بن الأذرعي: «الوقيعة في أهل العلم ولا سيما أكابرهم من كبائر الذنوب»، وعن جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «كفى بالمرء شرًّا أن لا يكون صالحًا، وهو يقع في الصالحين».

والطاعنون في العلماء لا يضرون إلا أنفسهم، وهم يستجلبون لها بفعلتهم الشنيعة أخبث الأوصاف، كما قال تعالى: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(سورة الحجرات: الآية رقم 11).

وفي ذلك قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: «واعلم يا أخي -وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته- أنَّ لحوم العلماء -رحمهم الله- مسمومة، وعادة الله في هَتْك أستار منتقصيهم معلومة، لأنَّ الوقيعة فيهم بما هم منه براءٌ أمر عظيم، والتناولُ لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم»، وقال أيضًا رحمه الله: «ومن أطلق لسانه في العلماء بالثلْب؛ ابتلاه الله تعالى قبلِ موته بموت القلب، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(سورة النور: الآية رقم 63).

وصدق من قال:

لحومُ أهل العلم مسمومةٌ  ومن يُعاديهم سريع الهلاك

فكنْ لأهل العلم عونًا، وإن  عاديتهم يومًا فخُذ ما أتاك

ومن مخاطر الطعن في العلماء:-

1-التسببُ في تعطيل الانتفاع بعلمهم:

فلا يحل لقوم إطلاق ألسنتهم في ورثة الأنبياء الداعين إلى الله عز وجل، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(سورة فصلت: الآية رقم: 33)، وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: «الدنيا كلها ظلمة، إلا مجالسَ العلماء»، وقال الإمام السخاوي رحمه الله: «إنما الناس بشيوخهم، فإذا ذهب الشيوخ فمع مَن العيش؟».

2-قدح وتجريح العلماء يؤدي إلى القدح فيما يحملونه من الشرع والدين:

ولهذا أجمع جمهور العلماء على أنَّ من أسباب الإلحاد القدح فيهم، وفي ذلك ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره، ما روي عن زيد بن أسلم، عن عبد الله ابن عمر قال: قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلس، ما رأيت مثل قُرائنا هؤلاء، أرغبَ بُطُونًا، ولا أكذبَ ألسُنًا، ولا أجْبَنَ عند اللِّقاءِ، فقال رجُلٌ في المسجد: كذبتَ، ولكنَّك مُنَافِقٌ، لَأُخْبِرَنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فبلغ ذلك رسُولَ الله، ونزل قول الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ}(سورة التوبة: الآية رقم: 65- 66)، فقال عبد الله بن عمر: وأنا رأيتُهُ مُتعلِّقًا بحقَب ناقَةِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، تَنكُبُه الحجارةُ وهو يقول: يا رسول الله، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، ورسولُ الله يقول: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}(التوبة: الآية رقم: 65).

ويقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله تعالى: «بادرة ملعونة،  وهي تكفير الأئمة…، أو الحط من أقدارهم، أو أنهم مبتدعة ضلال، كل هذا من عمل الشيطان، وباب ضلالة وإضلال، وفساد وإفساد، وإذا جُرح شهود الشرع جُرح المشهودُ به، لكن الأغرار لا يفقهون ولا يتثبتون».

وأفضل ما قيل في الدفاع عن العلماء، ما ذكره العلامة الشيخ طاهر الجزائري(ت: 1338هـــــــ/1919م)، وهو على فراش الموت بكلماتٍ حقها أن تكتب بماء العيون لا بماء الذهب؛ إذ قال رحمه الله: «عُدُّوا رجالكم، واغفروا لهم بعض زلاتهم، وعَضُّوا عليهم بالنواجذ لتستفيد الأمة منهم، ولا تُنفروهم لئلا يزهدوا في خدمتكم، فإذا خلت الساحة من أهل العلم والتُّقى، اتخذ النَّاس رؤوسًا جُهَّالا، يفتونهم بغير علم، وإذا أفتوهم بغير علم فلا تسأل عن الحرمات التي تُستباح، والدم المعصوم الذي يهرق، والعرض الذي ينتهك، والمال الذي يُهدر، ونظرة واحدة الى الواقع الأليم في بعض بلاد المسلمين وما يقع فيها من مجازر ومذابح بأيدي الأدعياء الذين استبدوا برأيهم، وتأوَّلوا بأهوائهم، وركبوا رؤوسهم، ولم يصغوا إلى نصائح العلماء؛ تنبئك عن مخاطر تغييب العلماء، وقطع الصلة بينهم وبين الشباب؛ فإنَّ العلماء هم عقول الأمة، والأمة التي لا تحترم عقولها غير جديرة بالبقاء».

ثم الخائض في أعراض العلماء ظلمًا وعَدوًا إن حُمل عنه ذلك، واقتُدي به فيه، فقد سنَّ سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والدال على الشر كفاعله، والسعيد من إذا مات ماتت معه سيئاته، قال تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}(سورة يس: الآية رقم 12).

وما من كاتب إلا سيلقى غداة الحشر ما كتبت يداهُ

فلا تكتب بكفك غير شيء  يسرك في القيامة أن تراهُ

وعن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يومًا عند الحسن بن ذكوان رجلا بشيء، فقال: «مَهْ! لا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك».

وبناء على ذلك نقول: يجب الابتعاد عن الطعن في العلماء، وعدم تتبع عثراتهم، وتصيُّد زلاتهم، واستثمارها في تأثيمهم، والتشهير بهم، والتشنيع عليهم، لإهدار قدرهم، وإسقاط منزلتهم، وإحباط محاسنهم، وجحود فضائلهم، بدافع من التعصب الأعمى، أو التحزُّب الجاهلي، أو التآمر لتحطيم قمم الإسلام، ورموز نهضته، والمؤمن الصادق ينصح لوجه الله، لإحقاق الحق، وهداية الناس، لا للتجريح والتشهير والعدوان، وإذكاء نار الفتن التي تأكل الأوقات، وتستنفد الطاقات، وقد شكا العلماء قديمًا وحديثًا من هذا الصنف المتربص الجاحد الظالم: قال داود بن يزيد: سمعت الشعبي يقول: «والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت مرة؛ لأعَدُّوا عليَّ تلك الواحدة».

Advertisement

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا