بداية نهاية حضارة الظلم والعبودية

0
56

بداية نهاية حضارة الظلم والعبودية

بقلم/ يوسف المقوسي

عاش فوكوياما يثير صخبا ويغيب. فاجأ الكثيرين بنظرية عن نهاية التاريخ. أدت وظيفتها ورحلت مخلفة وراءها قلة محدودة من المنظرين ورجال السياسة في الغرب. عاشت هذه القلة سنوات تنشر التفاؤل الذي توهمته نظرية نهاية التاريخ وانتصار الديموقراطية الليبرالية نصرا أبديا.

ساهمت في الصخب المثار بعض انجازات العولمة على صعيد التجارة وحرية الانتقال وكفاءة الاتصال والتواصل، بعد قليل انخفض وتباعد صدى الانجازات ليسمح لسلبيات العولمة بالكشف عن نفسها.

برزت الولاءات الأولية. عادت الناس تتمسك بحقوق وهويات أغفلتها حين استسلمت لإغراءات العولمة بدون كثير تدبر أو تفكير. في الوقت نفسه اكتشف بعض الساسة أن بعض القيم العالمية حصلت على أكثر من نصيبها على حساب قيم الإقليمي والمحلي وضرورات الاستقرار وتأمين السلطة وامتيازاتها. ثارت الهويات تطالب بالاعتراف بها وبأسبقيتها عن قيم أخرى صار لها شأن في زمن العولمة.

غاب سنوات قليلة وعاد مع صحوة الهويات. وقتها كان مد العولمة قد بدأ ينحسر. مع هذا الانحسار أو بسببه أفاقت شعوب وجماعات متأهبة ومتحمسة لاستعادة التعريف بهوية كانت تحملها ونزعتها عنها العولمة. شعوب وجماعات أخرى انزوت من تلقاء نفسها، حانت أمامها فرصة الاحتجاج بالهوية الأولى، الديانة أو الطائفة أو العلامة الجغرافية.

كانت الصرخة واحدة بالكلمات نفسها، أنا من قوم كذا أو من دين كذا أو من طائفة كذا. لا أقبل أن أكون بالتعريف مواطنا في وطن لا يعترف بهويتي الأولى أو يقلل من شأنها ولا يعطيها حقها في قوانينه ودساتيره. انكشف استعجال فوكويوما فها هو التاريخ لم ينته.

أيضا اكتشفنا استعجاله أثناء أزمة البحث عن هويات نغطي بها عورات عرتها العولمة. في أوروبا عادت تطل علينا برؤوسها أشكال متنوعة من القوميات بزعم الخوف من هجرات متزايدة ولشعور عميق عن تغول سلطات المفوضية الأوروبية.

تبين بالوضوح الممكن أن الإيطاليين يحنون إلى روما، والأسبان في غالبيتهم يحنون إلى مدريد، واليونانيون يؤكدون عشقهم لأثينا. مرت سنوات عديدة وما تزال بروكسل بعيدة كل البعد عن حلم لن يتحقق في الأجل المنظور، حلم أن تصبح ذات يوم فتجد نفسها في قلوب الأوروبيين عاصمة لهم.

هذه وغيرها أمور اكتشفها فوكوياما الباحث اللامع خلال رحلته المجيدة في الوثائق وكتب التاريخ والمجتمع. المهم أن الانتصار الكامل للحلم الليبرالي الديموقراطي ومنظومات القيم العالمية وبخاصة الإنسانية منها لم يتحقق، وما تحقق منه يبدو لنا الآن عاجزا عن الاستمرار وفي الغالب لن يصمد.

أنا شخصيا لم يفاجئني ما تسرب من كتاب جون بولتون، الرجل الذي تولى مؤخرا أعلى مناصب الأمن القومي الأمريكي وهو الرجل نفسه الذي تحمس أيما حماسة لغزو العراق وتنفيذ خطط المحافظين الجدد داخل وخارج أمريكا. لم يفاجئني ما تسرب من الكتاب وبخاصة ما نقله عن نقاش دار بين الرئيس ترامب ورئيس الصين.

جاء في النقاش حديث يشجع الرئيس الصيني على الاستمرار في سياسته قمع مليون من السجناء المسلمين في معسكرات عمل. الرئيس الأمريكي المسئول عن قيادة العالم في اتجاه تحقيق الحلم الموعود، حلم نهاية التاريخ والانتصار النهائي لليبرالية الغربية، يعيد تأكيد فحوى رسالة الرجل الأبيض التي برر بها السياسيون الغربيون نمط تفكير ونوايا الرجل الأبيض/ هذا السيد الذي استرق العبيد لغرض اكتناز الثروة وابتدع الرأسمالية نظاما اقتصاديا يفترض الجنس الأبيض مميزا ومؤهلا بالطبيعة ليدير شئون العالم ويحقق للبشر الرخاء ويفرض على العالم سلمه.

لم أتردد وأنا أضيف منظر ضابط أبيض يدق بركبته الثقيلة عنق رجل أسود على أسفلت شارع في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا إلى جملة أحداث تدافعت في الأيام الأخيرة وفي رأيي سوف تسهم في عملية تغيير جوهري في مسيرة الحضارة البشرية. لأول مرة منذ زمن طويل تشترك كل ألوان، أقصد أجناس، البشر في كارثة لم يخطط لها أو ينفذها واحد منهم فردا كان أو أكثر. قضى الناس بسببها أياما عديدة في رعب شديد.

سقط موتا ملايين منهم. جربت ملايين أخرى الانعزال. تغيرت سلوكيات وكلنا في انتظار عالم بترتيبات مختلفة. وبينما نحن ننتظر تزداد قناعتنا بأن لا أحد في هذا العالم قادر بعلمه أو قدسيته ليتنبأ لنا بشكل المستقبل الذي ننتظر ونوعه. هي كارثة ترفض، حتى الآن على الأقل، أن تكون كبعض سابقاتها النادرات ولادة معجزات وأنبياء وحضارات. على العكس، رفضت إلا أن تترك لنا تجسيدا شيطانيا لرجل أبيض في البيت الأبيض بمدينة واشنطن عاصمة الحضارة الغربية البيضاء في آخر محطاتها.

تركته لنا يحمل رسالة غارقة في دم بشر من السود والصفر والسمر والبيض أيضا، رسالة يقرأها على الناس كل يوم تحمل على آخر صفحاتها توقيعه الأشهر، كلماتها شريرة وأهدافها تخريبية وتقسيمية وباعثة على الكره، رسالة تقطر كذبا كالكذب الذي صيغت به نسختها الأولى وأبدع في إعادة صوغها في زمنها كيبلنج، الشاعر الأبيض المؤمن بكل حرف فيها والواثق من أن حضارة الإنسان، كما كان يعيشها كيبلنج، مدينة في صيرورتها ومستقبلها للعقيدة المستترة وراء سطور هذه الرسالة.

اجتمعت أحداث كبرى. كارثة إنسانية لا تفرق بين أبيض وأسمر وشيطان مدمر للحضارة والتحضر مقيم في البيت الأبيض وأزمة اقتصادية طاحنة وثورة عارمة في صفوف الشعوب السوداء ضد مظالم وفساد وعبودية فرضها الرجل الأبيض وإعلان موثق ومؤكد من أعلى هيئة في القيادة الصينية يوجه ما يشبه الإنذار لمن تسول له نفسه التدخل في هونج كونج أو سنكيانج أو غيرهما من أقاليم الصين، وانقسام معلن ومهين داخل المعسكر الغربي. هو نفسه المعسكر حامل رسالة الحضارة التي يعيش العالم في ظلها وتحت اسمها منذ خرجت إلينا من أثينا في عصر الإغريق.

هل أبالغ فأقول أن العالم كما عرفناه صار استمراره محل شك. سقطت الرسالة الوحيدة التي خطتها يد بشر لإدارته وإخضاع الشعوب والثقافات الأخرى لهيمنة ثقافة صنعت في الغرب الأبيض.

اخترت فرانسيس فوكويوما تجسيدا لنموذج تأليفي لمفكر سياسي من أصول غير بيضاء اعتنق رسالة الرجل الأبيض. اتخذ جده الأكبر قبل أن يولد فرانسيس من أول صدام تاريخي بين جيوش من الجنس الأصفر وجيوش من الجنس الأبيض جرى في مطلع القرن العشرين وانتصرت فيه اليابان على روسيا ذريعة لينتقل بعائلته للعيش في الساحل الغربي للولايات المتحدة.

تعايش مع ثقافة الرجل الأبيض في مجتمع كثير من أعضائه كانوا يمارسون العنصرية ضد الرجل الأسود وكذلك الأصفر. اعتنق وعائلته المسيحية واشتغل الأب قسا وامتهن الحفيد فرانسيس البحث العلمي في العلوم السياسية واستقر في البداية على دعم وتأصيل القكرة الليبرالية وعظمة الفكر الغربي، فكر الرجل الأبيض الصالح دوما لكل الرجال في كل العصور.

لم يفت في حماسة فرانسيس أن جده المواطن الأمريكي الصالح المؤمن بحضارة الرجل الأبيض اعتقلته السلطات الأمريكية البيضاء مع غيره من الأمريكيين ذوي البشرة الصفراء الذين اتسع لهم سجن كبير في مطلع الحرب العالمية الثانية. ثمن بسيط يدفعه الرجل الأصفر لانتمائه لحضارة الرجل الأبيض، ثمن أقل وطأة من الثمن الذي دفعه رايشارد بروكس الشاب الأسود المسالم في ليلة سوداء مقابل رصاصات أطلقها على ظهره شرطي أبيض في مدينة أطلانطا.

يكاد فرانسيس فوكوياما يقول للأمريكيين البيض والسمر والسود وأبناء جلدته الصفر، ها أنا وقد نجحت. أنا كنت مقبولا لدى حملة رسالة الرجل الأبيض وأحاول الآن صياغة رسالة توفيقية تصلح كثقافة عامة لكل الأمريكيين. لن تصلح بطبيعة الحال لكل الشعوب.

لن ننسى أن رسالة الرجل الأبيض لم تكن محبوبة ولا مرغوبة عند الشعوب غير البيضاء ولكنها عاشت قرونا. الصينيون مثلا لن يقبلوا بقيم تستعيرها الثقافة الجديدة من رسالة الرجل الأبيض والسود الأمريكيون لن يصدقوا بعد اليوم كلمة واحدة تذكرهم بعهد ساد فيه وهيمن رجل أبيض سيء السمعة وكريه اللسان ومتدني الإحساس اسمه دونالد ترامب. هل حقا نجح فرانسيس وأمثاله؟ أم حان أوان الانتقال إلى فصل جديد في كتاب الحضارات. وفي هذه الحالة من ذا الذي سوف يقلب الصفحة؟

Advertisement

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا