في ذكرى مولد خير البرية محمد صلَّى الله عليه وسلم

0
79

في ذكرى مولد خير البرية محمد صلَّى الله عليه وسلم

كتب/ دكتور أحمد درويش

لن أستطرد في الخلاف التاريخي حول تحديد تاريخ يوم مولد رسول الله –صلى الله عليه وسلم، ولكن سأبدأ حديثي بلمحة حول نسبه الشريف صلَّى الله عليه وسلَّم:

في البداية أود أن أشير إلى قول العلَّامة سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي، الذي قال: (وقد عمَّ عليه الصلاة والسلام ببركة دعائه سامعَ حديثهِ ومُبَلّغَه، وقال -صلَّى الله عليه وسلم-: «مَا أَفَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ فَائِدَةً أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثٍ حَسَنٍ بَلَغَهُ فَبَلَّغَهُ»(ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، جــــ1ص190)، ولا أحسنَ بعد كتاب الله الذي هو أحسنُ القَصَص، وأصدَقَ القِصَص، وأفضلَ الحِصَص، وأَجلَى الأشياء للغُصَص من أخبارِ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-، التي بالوقوف عليها توجدُ حلاوة الإسلام، ويُعرَف كيف تمهَّدت السُبُل إلى دار السلام).

ومن هذا المنطلق أذكرُ ما روي عن أبي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أنَّهما قَالا: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»(أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في باب توقيره صلَّى الله عليه وسلم، حديث رقم(1337)، جـــــــــ4ص1830.

لذا دعونا من المسائل الخلافية، لنركز اهتمامنا حول ما يهم النَّاس داخل المجتمع الإسلامي، العامة منهم والمثقفين، ونتعرف على كيفية أنَّ الله -عز وجل- طهَّر نبيه محمد -صلَّى الله عليه وسلم- وشرَّفهُ حديثًا وقديمًا، وألقى إلى آبائه الأقدمين من الدلائل على اصطفائه إيَّاهُ في الآخرين، وابتعاثه له رحمةً للعالَمين.

ففي الصحيح من حديث الأوزَاعِيُّ، عن أبي عمَّارٍ، عن وَاثِلَةَ بن الأسْقَعِ، قال: قال رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». (أخرجه الإمام الترمذي في سننه، في باب فضل النبي صلَّى الله عليه وسلم، حديث رقم(3605)، جــــــــــ5ص583.

وأخرج الإمام الترمذي في سننه، في الحديث الحسن، من حديث عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الحَارِثِ، عَنْ المُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: جَاءَ العَبَّاسُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «مَنْ أَنَا؟»، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْكَ السَّلَامُ، قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَ عَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا وَخَيْرِهِمْ نَسَبًا». (سنن الترمذي، باب فضل النبي صلَّى الله عليه وسلم، حديث رقم(3608)، جــــــــــ5ص584.

ورسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- هو أشرف ولد آدم حسبًا، وخير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، وأكرمهم أبًا، وأُمًّا، فلنسبه من الشرف ما أعلى ذروته، وشهد له أعداؤه بذلك، ومن هؤلاء الأعداء أبو سفيان – وقتَ أن كان مشركًا، وزعيمًا لقريش-، وقد حدث حوارٌ بينه وبين هرقل قيصر الروم، كما أورده الإمام البخاري بتمامه في صحيحه،  وفيه ما رُوي عن عتبة بن مسعود، أنَّ عبد الله بن عبَّاس، أخبرهُ أنَّ أبا سفيان بن حرب أخبرهُ: أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مَادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء –هي بلد بالشام- فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، ثمَّ دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيُّكُم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعُم أنَّهُ نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوهُ منِّي، وقرِّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره، ثمَّ قال لترجمانه: قل لهم إنِّي سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كَذَبَني فكذِّبُوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثِروا عليَّ كذبا لَكَذَبتُ عنهُ، ثمَّ كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبهُ فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطٌّ قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، …، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة، فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنَّه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعثُ في نسبِ قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول، فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلتُ رجلٌ يأتسي بقولٍ قيل قبلهُ، وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت فلو كان من آبائه من ملك، قلتُ رجلٌ يطلبُ مُلك أبيه، …). (أخرجه الإمام البخاري بتمامه في صحيحه، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، حديث رقم(7) من الباب، جــــــــــ1ص8-9).

فرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب بن هاشم، بن عبد مناف بن قُصَيّ ابن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضر بن كَنانة بن خُزيمة بن مُدركَة بن إليَاس بن مُضَر، بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، وههنا ينتهي النسب الصحيح للنبي محمد –صلَّى الله عليه وسلَّم-الذي لا شكَّ فيه.

وهذا هو المعلوم، والمتفق عليه من نسبه –صلَّى الله عليه وسلَّم-عند العلماء، والنسَّابين، لا خلاف فيه البتَّة، ما فوق عدنانٌ فمختلفٌ فيه، ولا خلاف بينهم أنَّ عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، ونشأ الخلاف فيما بين عدنان وإسماعيل من الآباء، ومنع البعض الرفع في النسب على عدنان تمسكًا بأنَّه ليس فيما وراء عدنان إلى آدم نصٌ صحيح، كما صرَّح به الإمام النووي، حيث اضطربت أراء النسَّابين فيما بعد عدنان، حتى نراهم لا يكادون يجمعون على جد، حيث يختلفوا فيمن فوقه، وقال عمر بن الخطاب: إني لأنتسب إلى معدّ بن عدنان، وما فوق ذلك لا ندري ما هو، وعن سليمان بن أبى خيثمة قال: ما وجدنا في علم عالم، ولا شعر شاعر أحدًا يعرف ما وراء معدّ ابن عدنان، ويعرب بن قحطان.

وروي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها -، أنها قالت: «ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرُّصًا».

ويحكى عن مالك بن أنس -رضي الله عنه – أنَّه سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم عليه السلام، فكره ذلك، فقيل له: فإلى إسماعيل، فأنكر ذلك، وقال: ومن يخبر به.

وللحديث بقية مع مولد خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم.

Advertisement

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا