محطات في رحلة العائلة المقدسة إلى مصر

0
82
محطات في رحلة العائلة المقدسة إلى مصر
بقلم: د/ هاني جرجس عياد

–  (الهرب إِلَى مصر )

«قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». مت13:2
كان هذا أمر ملاك الرب ليوسف النجار ليهرب بالطفل يسوع من بطش هيرودس الذي كان مزمعا أن يهلك الصبي.
عندما جاء المجوس من المشرق بحثًا عن يسوع ليسجدوا للطفل ويقدمون له هدايا لأنه سيكون ملكا، ذهبوا إلى هيرودس الأول في أورشليم ليطرحوا سؤالا عن مكان الوليد “ملك اليهود”، أصيب هيرودس الأول بجنون العظمة أن الطفل سيهدد عرشه، وسعى لقتله. أطلق هيرودس مذبحة الأبرياء على أمل قتل الطفل، لكن ملاك ظهر إلى يوسف النجار في حلم وحذره من ذلك، وأمره أن يأخذ يسوع وأمه إلى مصر.
الهرب إلى مصر أو رحلة العائلة المقدسة هو حدث هروب الطفل يسوع ومريم العذراء ويوسف النجار من بيت لحم إلى مصر حسب رواية إنجيل متى كي لا يلتقوا بهيرودس الملك الذي تخوف من أن يزاحمه المسيح في المُلك _إذ إن من صفات المسيح كونه ملكا، وهو ما سيتحقق في المجيء الثاني وفق المعتقدات المسيحية _فأراد قتله عن طريق المجوس، فحينما فشل، قرر قتل جميع أطفال بيت لحم من دون السنتين،
ولكن وحيا كان قد جاء ليوسف في الحلم يخبره بأن يأخذ الطفل وأمه إلى مصر، فهربا وأقاما بها حتى وفاة هيرودس، قبل أن يعودا إلى الناصرة.
أن رحلة العائلة المقدسة لأرض مصر، حدث انفردت به مصر وسط بلاد العالم كله، وصارت كأنها مدينة “قدس” ثانية، ونشأت بها الكنيسة القبطية، واعتبرت هذا اليوم عيدا تحتفل به يوم 24 بشنس الذي يوافق الأول من يونيو من كل عام.
وقد ورد في سفر أشعياء في العهد القديم بالكتاب المقدس نبوءة عن مجيء العائلة المقدسة إلى أرض مصر قبل أن يولد السيد المسيح بسبعمائة عام تقريبا.
وتؤكد الحقائق الدينية والتاريخية أن اختيار الله لمصر بأن تكون موطنا ثانيا للسيد المسيح في طفولته، هو استكمال لمباركته السابقة لها، فلقد تباركت أرض مصر منذ قديم الزمان بمجيء الرسل والأنبياء والقديسين إليها؛ ومنهم النبي ادريس، وأبو الأنبياء إبراهيم، ويوسف الصديق، ونبي الله يعقوب ومعه الاثنا عشر سبطا، وعلى أرضها ولد موسى نبي اليهودية، ثم جاءتها العائلة المقدسة.
– لماذا أرض مصر بالذات؟
– يقول الوحي في إشعياء «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ» أش25:19، إذن فمصر باركها الله بالسلام العجيب, وسط عالم مضطرب قاسي. المصريون شعب طيب ويعشق الحياة, ومن صفاته أنه يوهب الأمان علي حياة الغريب, أكثر من أمنه في موطنه الأصلي. ولمصر مكانة خاصة ونبوات بشأن معرفة الرب فهم أول الشعوب تعرفوا علي الرب «فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ». أش19: 21
– يستشهد متى15:2بنص هوشع1:11بأن النبوة تحققت في عودة يوسف ومريم ويسوع من مصر «وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي».
– يحدثنا أشعياء النبي في سفره عن هذه الرحلة المقدسة فيقول: «هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْر دَاخِلَهَا». أش1:19 وهذا ما حدث فعندما كان السيد المسيح يدخل أي مدينة في مصر، كانت الأوثان تسقط في المعابد وتنكسر، فيخاف الناس من هذا الحدث غير المألوف ويرتعبون، وبذلك أنهى على عبادة الأوثان.
– كان دخول السيد المسيح أرض مصر بركة كبيرة لأرضها وشعبها، فبسببها تمت نبوءة أشعياء القائلة: «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا». أش19:19 وهو مذبح “كنيسة السيدة العذراء مريم الأثرية” بدير المحرق العامر، ويقع دير المحرق في منتصف أرض مصر تماما من جميع الاتجاهات، كما كثرت في أرض مصر على امتدادها الكنائس, خصوصا في الأماكن التي زارتها العائلة المقدسة وباركتها.
– ذكرت كلمة مصر ست مائة مرة في الكتاب المقدس، وكلمة المصريين معا مائة مرة. وهذا أعظم دليل على حب الله لمصر والمصريين.

– ( الرحلة )

استغرقت زيارة العائلة المقدسة إِلَى مصر ثلاث سنوات وعدة أشهر، وقد رصد البابا “ثاؤفيلس” البطريرك رقم 23 في كرسي الكرازة المرقسية بمصر في الفترة ما بين 385-412 م وفقا لمخطوطة ” الميمر” (وهى كلمة سيريانية تعني السيرة)، أهم المحطات الرئيسية في رحلة العائلة المقدسة، بداية من “الفرما” والتي كانت تعرف بـ”البيليزيوم”، وهي المدينة الواقعة بين مدينتي العريش وبور سعيد حاليا، حتى جبل قسقام بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، حيث رجعت مرة أخرى إلى فلسطين بعد وفاة الملك هيرودس.
وحسب المصادر التاريخية القبطية وأهمها ميمر البابا ثيئوفيلس كانت هناك ثلاثة طرق يمكن أن يسلكها المسافر من فلسطين إلى مصر في ذلك الزمان، ولكن العائلة المقدسة عند مجيئها من فلسطين إلى مصر لم تسلك أي من الطرق الثلاثة المعروفة، لكنها سلكت طريقا آخر خاصا بها. وهذا بديهي لأنها هاربة من شر الملك هيرودس فلجأت إلى طريق غير الطرق المعروفة، قادها الرب وملاكه فيه وهذا الطريق هو الذي ذكره السنكسار القبطي أخذا عن رؤيا البابا ثيئوفليس التي سجلها في ميمره المعروف.
وقد أخبرته العذراء مريم بتفاصيل مسار الرحلة مرورا بمدن عديدة في الدلتا والصعيد، وأعلنت له عن ذكريات العائلة المقدسة في ربوع أرض مصر.
بدأت رحلة العائلة المقدسة إلى مصر ليلا، وكانت رحلة شاقة لمسافة طويلة من بلاد فلسطين إلى مصر حيث كان الرحيل فيها على دابة (حوالي 1033 كيلو متر وهي المسافة من بيت لحم إلى المحرق؛ ذهابا ثم مثلها إيابا).
خرج يوسف الشيخ من أرض فلسطين كما أمره الملاك، وخرجت معه السيدة العذراء القديسة مريم راكبة على حمارا وتحمل على ذراعيها الرب يسوع وصحبتهم أيضا سالومى وكان لها أسم آخر فعرفت في الإنجيل بأم أبنى زبدى. وقد أجمعت كل التقاليد الشرقية والغربية على أن مريم العذراء ركبت حمارا، وسار يوسف جانب الحمار ممسكا بمقوده حسب المتبع عادة في المشرق وخلفهما عجوز أخرى هي سالومى.
سارت العائلة المقدسة من بيت لحم إلى غزة حتى محمية الزرانيق (الفلوسيات) غرب العريش، ودخلت مصر عن طريق الناحية الشمالية من جهة الفرما (بلوزيوم) الواقعة بين مدنيتي العريش وبورسعيد. ثم اتجهت ‏إلي‏ مدينة بسطة التي تسمى اليوم تل بسطة بالقرب من الزقازيق، وفيها أنبع السيد المسيح عين ماء، وكانت مدينة مليئة بالأوثان،
وعند دخول العائلة المقدسة المدينة سقطت الأوثان على الأرض، فأساء أهلها معاملة العائلة المقدسة فتركت المدينة وتوجهت العائلة المقدسة نحو الجنوب حتى وصلت بلدة مسطرد (المحمة)، وسميت كذلك لأن العذراء مريم أحمت هناك السيد المسيح وغسلت ملابسه، وفي عودة العائلة المقدسة مرت أيضا على مسطرد، وأنبع السيد المسيح له المجد نبع ماء لا يزال موجودا إلى اليوم.
ومن مسطرد انتقلت العائلة المقدسة شمالا نحو الشرق إلى مدينة بلبيس واستظلت العائلة المقدسة عند شجرة، عرفت باسم “شجرة العذراء مريم” ومرت العائلة المقدسة على بلبيس أيضا في رجوعها. ومن بلبيس رحلت العائلة المقدسة شمالا إلى بلدة منية سمنود، ثم عبرت العائلة المقدسة نهر النيل إلى مدينة سمنود (لتي‏ ‏كانت‏ ‏تسمي‏ ‏باليونانية‏ ‏سيبوتس‏ ‏وبالقبطية‏ ‏جمنوني)،
واستقبلهم شعبها استقبالا حسنا فباركهم السيد المسيح له المجد، ومكثت العائلة المقدسة سبعة عشر يوما بنفس المكان المقام عليه الكنيسة الحالية “كنيسة السيدة العذراء والشهيد أبانوب الأثرية” بوعد من السيد المسيح الذي نظر للسيدة العذراء وقال لها “سيقام في هذه المدينة بيعة على أسمك تكون مباركة إِلَى الأبد”، ويوجد بها ماجور كبير من حجر الجرانيت، يقال أن السيدة العذراء عجنت به أثناء وجودها، ويوجد أيضا بئر ماء باركه السيد بنفسه. وإذا كانت العائلة المقدسة قد سلكت الطريق الطبيعي أثناء سيرها من ناحية سمنود إلى مدينة سخا، فلابد أنها تكون قد مرت على كثير من البلاد التابعة لمحافظة الغربية ومحافظة كفر الشيخ، ويقول البعض أنها عبرت في طريقها في براري بلقاس، وقد ظهر قدم السيد المسيح على حجر،
ومنه أخذت المدينة اسمها بالقبطية، وقد أخفى هذا الحجر زمنا طويلا خوفا من سرقته في بعض العصور، واكتشف هذا الحجر ثانية من حوالي 13 عاما فقط. ومن مدينة سخا عبرت العائلة المقدسة نهر النيل (فرع رشيد) إلى غرب الدلتا، وتحركت جنوبا إلى وادي النطرون (الاسقيط)، وقد بارك السيد المسيح وأمه العذراء هذا المكان. ومن وادي النطرون ارتحلت العائلة المقدسة جنوبا ناحية مدينة القاهرة، وعبرت نهر النيل إلى الناحية الشرقية متجهة ناحية المطرية وعين شمس (هليوبوليس – أون )،
وفي المطرية استظلت العائلة المقدسة تحت شجرة تعرف إلى اليوم بشجرة مريم وأنبع الرب يسوع عين ماء وشرب منه وباركه، ثم غسلت فيه السيدة العذراء ملابس الطفل يسوع وصبت الماء على الأرض فنبت قي تلك البقعة نبات عطري ذو رائحة جميلة هو المعروف بنبات البلسم أو البلسان الذي يضيفونه إلى أنواع العطور والأطياب التي يصنع منها الميرون المقدس.
ومن منطقة المطرية وعين شمس سارت العائلة المقدسة متجهة ناحية مصر القديمة وارتاحت العائلة المقدسة لفترة بالزيتون وهي في طريقها لمصر القديمة. مرت العائلة المقدسة وهي في طريقها من الزيتون إلى مصر القديمة على المنطقة الكائن بها حاليا كنيسة السيدة العذراء الأثرية بحارة زويلة، وكذلك على العزباوية بكلوت بك. ووصلت العائلة المقدسة إلى مصر القديمة،
وتعتبر منطقة مصر القديمة من أهم المناطق والمحطات التي حلت بها العائلة المقدسة في رحلتها إلى أرض مصر، ويوجد بها العديد من الكنائس والأديرة وقد تباركت هذه المنطقة بوجود العائلة المقدسة، ولم تستطع العائلة المقدسة البقاء فيها إلا أياما قلائل، نظرا لتحطم الأوثان فأثار ذلك والي الفسطاط فأراد قتل الصبي يسوع، وكنيسة القديس سرجيوس (أبو سرجة) بها الكهف (المغارة) التي لجأ إليها العائلة المقدسة وتعتبر من أهم معالم العائلة المقدسة بمصر القديمة. ارتحلت العائلة المقدسة من منطقة مصر القديمة متجهة ناحية الجنوب، حيث وصلت إلى منطقة المعادي ( أحد ضواحي منف – عاصمة مصر القديمة)، وقد أقلعت العائلة المقدسة في مركب شراعي بالنيل متجهة نحو الجنوب (بلاد الصعيد) من البقعة المقام عليها الآن كنيسة السيدة العذراء المعروفة بالعدوية، لآن منها عبرت (عدت) العائلة المقدسة إلى النيل في رحلتها إلى الصعيد ومنها جاء اسم المعادي، وما زال السلم الحجري الذي نزلت عليه العائلة المقدسة إلى ضفة النيل موجودا وله مزار يفتح من فناء الكنيسة ،
ومن الأحداث العجيبة التي حدثت عند هذه الكنيسة، أنه في يوم الجمعة 3 برمهات الموافق 12 مارس 1976، وجد الكتاب المقدس مفتوحا على سفر أشعياء النبي 25:19«مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ»، طافيا على سطح الماء في المنطقة المواجهة للكنيسة من مياه النيل. وصلت العائلة المقدسة قرية دير الجرنوس ( دير الجرنوس ) مركز مغاغة، وبجوار الحائط الغربي لكنيسة السيدة العذراء يوجد بئر عميق، يقول التقليد أن العائلة المقدسة شربت منه. مرت العائلة المقدسة علي بقعة تسمي اباي ايسوس ( بيت يسوع ) شرقي البهسنا ومكانه الأن قرية صندفا مركز بني مزار. وبعد ذلك ارتحلت العائلة إلى سمالوط ومنها عبرت النيل ناحية الشرق إلى جبل الطير، وعن هذا المكان يروي أنبا زخارياس (في كتاب ميمر الأنبا زخرياس أسقف سخا–رحلة العائلة المقدسة لمصر– للأب وديع أبو الليف الفرنسيسكاني): “وفي أثناء سيرهم على شاطئ البحر نظروا صخرة عظيمة عالية جدا والمياه تحيط بها فباركها السيد له المجد وقال سوف يبنى عليك كنيسة باسمي واسم والدتي، وهي الأن معروفة باسم “سيدة الكف” لأن الرب وضع عليها يده فصارت علامة مطبوعة على الصخر”،
ويضيف أبو المكارم (في كتابه تاريخ الكنائس والأديرة) على هذه الرواية أن الصخرة كادت تسقط من الجبل فمد رب المجد يده وأوقفها وطُبعت كفه عليها، وعلى قمة هذا الجبل الأن دير السيدة العذراء بجبل الطير، ويعد من أهم الأماكن في رحلة العائلة المقدسة بعد كنيسة أبي سرجة ودير المحرق. وفي الطريق مرت العائلة المقدسة علي شجرة لبخ عالية ( شجرة غار )، علي مسافة 2كم جنوب جبل الطير، بجوار الطريق المجاور للنيل، والجبل الواصل من جبل الطير إلي نزلة عبيد إلي كوبري المنيا الجديد، ويقال أن هذه الشجرة سجدت للسيد المسيح له المجد، وتجد أن جميع فروعها نازلة علي الأرض ثم صاعدة ثانية بالأوراق الخضراء ويطلق عليها “شجرة العابد”. غادرت العائلة المقدسة منطقة جبل الطير وعبرت النيل من الناحية الشرقية إلي الناحية الغربية، واتجهت نحو الاشمونين الثانية وحدثت في هذه البلدة كثير من العجائب، وسقطت أوثانها، وباركت العائلة المقدسة الاشمونين.
ارتحلت العائلة المقدسة من الاشمونين واتجهت جنوبا ناحية ديروط الشريف – أسيوط. ارتحلت العائلة المقدسة من ديروط الشريف إلي قسقام ( قوست ـ قوصيا ) حيث سقط الصنم معبودهم وتحطم، فطردهم أهلها خارج المدينة وأصبحت هذه المدينة خرابا. هربت العائلة المقدسة من قرية قسقام واتجهت نحو بلدة مير (ميره) ، وقد أكرم أهل مير العائلة المقدسة أثناء وجودها بالبلدة، وباركهم الرب يسوع والسيدة العذراء. ومن مير ترحل العائلة لأهم محطة في الرحلة، إلى جبل قسقام (نسبة إلي المدينة التي خربت،
ويبعد نحو 12 كم غرب بلدة القوصية التابعة لمحافظة أسيوط) حيث تتحقق النبوات «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا». أش19:19، وذلك المذبح دشنه رب المجد ذاته، وهو ما ظهر في الرؤيا للأنبا ثاؤفيلس عندما منعته العذراء من تددشين كنيسة في المغارة التي مكثا فيها لأنها مدشنة سابقا، وقد مكثت العائلة المقدسة نحو حوالي ستة أشهر وعشرة أيام في المغارة التي أصبحت فيما بعد هيكلا لكنيسة السيدة العذراء الأثرية في الجهة الغربية من دير المحرق، ومذبح هذه الكنيسة حجر كبير كان يجلس علية السيد المسيح. وفي هذا الدير ظهر ملاك الرب ليوسف الشيخ في حلم قائلا: «فلَمَّا مَاتَ هِيرُودُسُ إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ فِي حُلْمٍ لِيُوسُفَ فِي مِصْرَ». «قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ». «فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ» مت2: 19- 21
– 
(العودة )
ورغم ان الكثير من المصادر يجمع أن جبل قسقام كان أخر محطة للعائلة جنوبا إلا أن هناك تقليد شفهي قديم يفيد بزيارة العائلة لجبل أسيوط قرب قرية درنكة حيث يوجد دير السيدة العذراء بجبل درنكة، ويذكر الأنبا اغريغوريوس أن أمر الملاك لا يمنع أن تكون العائلة المقدسة قد سلكت في عودتها طريقا قد انحرف بها إلى الجنوب قليلا حتى جبل أسيوط،، وهناك تقليد شفاهي يروي أنها قد اختبأت وقتا ما في مغارة بجبل أسيوط هي المشهورة الأن بدير العذراء بجبل أسيوط. فالمعروف أن العائلة المقدسة كانت هاربة ومطاردة ولم تكن ظروفها ميسرة حتى تسلك طريقاً ثابتا مستقيما، كما أن ارتحالهم جنوبا إلى أسيوط قد يكون بغرض استقلال مركب على النيل، وبذلك نستطيع أن نعتبر درنكة محطة في طريق العودة التي تمت على اكبر ظن بمركب حتى “منف”، وبعدها سلكت العائلة خطواتها الأولى فمن منف إلى المعادي فمصر القديمة ثم المطرية ومسطرد، ثم سلكوا نفس الطريق الذي أتوا منه إلى أرض فلسطين.
وهكذا انتهت رحلة المعاناة التي استمرت أكثر من ثلاث سنوات ذهابا وإيابا، ولكن ما نستطيع قوله أن العائلة المقدسة قد قوبلت في أغلب مدن مصر وقراها بالترحاب والحفاوة وذلك بناء على رواية أحد أفراد الرحلة، شخص كان يحفظ كل شيء في قلبه «ثُمَّ نَزَلَ مَعَهُمَا وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا. وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذِهِ الأُمُورِ فِي قَلْبِهَا». لو51:2 ؛ وهي العذراء مريم التي قالت للأنبا ثاؤفيلس: “وكنا كلما نزلنا مدينة من المدن أو قرية من القرى نقابل من أهلها بالترحاب العظيم اللائقين لمقام أبني الحبيب إلا القليل منها”.

 

Advertisement

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا