هاني عرفه يكتب (الشتاء غنيمة العابدين)

0
183

 

مما لا شك فيه أن النفوس جُبلت على حب الدعة والخلود الي الراحة، وبغض المشقة والنصب ولا سيما فصل الشتاء القارص والبرد الشديد ومع برودة الجو والماء يخيم الكسل والفتور على بعض النفوس الضعيفة عن آداء بعض العبادات كالوضوء للصلاة، وهجر الصيام والقيام مخافة البرودة والجوع.

ولعل المتدبر البصير، إذا قلّب النظر في صفحات تاريخنا الإسلامي المشرق، يجد أن كثيرآ من فتوحات المسلمين تمت في فصل الشتاء القارص، حيث البرد الشديد، وصعوبة الطقس و المناخ، وعلى الرغم من ذلك لم يتعللوا بشدة البرد أو سوء الطقس، بل صبروا وصابروا وجاهدوا وبذلوا النفس والنفيس لإعلاء راية التوحيد، ويحضرني في هذا المقام جهاد المسلمين المبارك في فتح مدينة القسطنطينية عام 857 هجريا على يد القائد العظيم محمد الفاتح، وعلى الرغم من قسوة الظروف وسوء المناخ المحيط بالمدينة، وإحاطتها بالقلاع والحصون المنيعة التي تحول دون فتحها إلا أن المسلمين ظل يروادهم حلم فتحها بعد محاولات استمرت لأكثر من ثمانية قرون، حتى تم الفتح ودانت لهم البلاد والعباد.

والشاهد من وراء هذا كله، ألا يقعد بك الشتاء ببرده عن أداء الصلوات الخمس وغيرها من العبادات بحجة البرد، ولا يفتونا ونحن في هذا المقام أن ننبه إلى أن العمل الصالح إذا خالطه شىء من المشقة عظم أجره، وبقي أثره قال تعالى “وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل….” الآية وقال تعالي ” والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا وإن الله لمع المسلمين”

والناظر في سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، يجد أن أعلى درجات الجنة لاينالها المؤمن إلا بحمل النفس على تحمل مشاق الطاعة والعبادة، قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم” ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قلنا بلي يا رسول الله قال : اسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذالكم الرباط.”. 

 

منهج الصحابة والتابعين في استقبال الشتاء

__________________________________________

 

كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، يفرحون بالشتاء وينتظرونه انتظار العائد الي وطنه بعد طول غياب، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال” مرحبا بالشتاء، تنزل فيه البركة، ويطول ليله للقيام، ويقصر نهاره للصيام” وثبت عن الحسن البصري رضي الله عنه قال “نعم زمان المؤمن الشتاء” وثبت عن عمر رضي الله عنه قال “الشتاء غنيمة العابدين” رواه أبو نعيم في الحلية.

قال بن رجب الحنبلي “إنما كان الشتاءربيع المؤمن لأنه يرتع في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه”

وحاصل القول أن تفاوت درجات العباد في الجنة على قدر صبرهم على مشاق العبادة في الدنيا، قال الشاعر :

لولا المشقة ساد الناس كلهم ** الجود بفقر والإقدام قتّال

جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل وصلي الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Advertisement

ترك الرد

الرجاء إدخال تعليقك!
الرجاء إدخال اسمك هنا